مقدمة عامة


خميس الشماري
 
 

    تقديم عام
     
    إعداد: خميس الشماري[1]
     
     
     
    " في استطاعة الإنسان الفرد إتيان أي فعل ، خيرا أو شرا ، فقط بالتشارك مع الأخرين ، إذ ليس هناك درع أصلب منه للوقاية من الاضطهاد، ولا أداة أروع منه لتحقيق المنجزات الكبيرة"
    بيار فالداك، صاحب فكرة قانون 1901 الفرنسي الخاص بالجمعيات.
     
                                       
     
    ديباجة
     
     
    يتوج هذا التقرير الأول للشبكة الأورو-متوسطية لحقوق الإنسان حول حرية تكوين الجمعيات في المنطقة الأورومتوسطية، مسارا انطلق منذ أيلول 2006 ، حيث أطلقت الشبكة من خلال جمعيتها العامة الأخيرة استراتيجيتها الخاصة بتشكيل مجموعات عمل موضوعية من مختلف مكونات الشبكة. وفي هذا الإطار تم تشكيل مجموعة العمل الخاصة بحرية تكوين الجمعيات لغاية تحقيق هدف عام هو المساهمة في تعزيز "قيم حقوق الإنسان والمعايير الدولية المتعلقة بحرية تكوين الجمعيات في المنطقة الأورو-متوسطية وبالذات في جنوب المتوسط".
     
    منذ نشوئها في 1997، تمحورت الشبكة حول مسالة حرية تكوين الجمعيات. وسجلت بايجابية "الإعلان المتعلق بحق ومسؤولية الأفراد، والجماعات وهيئات المجتمع، في تعزيز وحماية حقوق الانسان والحريات الأساسية المعترف بها عالميا" (الإعلان الخاص بالمدافعين عن حقوق الانسان)، الذي صادقت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة في 9 ديسمبر 1998. وعلى قاعدة اعلان برشلونة في 28 نوفمير 1995 الذي اطلق مسلسل الشراكة الاورو-متوسطية بما يكفل " التنفيذ الفعلي والشرعي لهذه الحقوق والحريات بما فيها حرية التعبير، وحرية تكوين الجمعيات لغايات سلمية"، وبناء عليه نظمت الشبكة، بالاشتراك مع جمعية الدفاع عن الحقوق والحريات في لبنان و ومؤسسسة "فريدريتش نومان"، عبر برنامج "بنيان" للحكم الصالح، ورشة عمل حول "الاطار التنظيمي للجمعيات في العالم العربي"، في عمان (الأردن) أيام 9 و10من شهر أيار 1999.
     
    وإثر إعلان المعايير والمبادئ الخاصة بحرية تكوين الجمعيات في البلدان العربية (اعلان عمان) في 10 ماي 1999، تطور التعاون بين الشبكة الأورو-متوسطية لحقوق الانسان و المبادرة العربية من أجل حرية تكوين الجمعياتIALA. وبشراكة مع المبادرة نظمت الشبكة أيام 5 و7 تشرين اول 2000  بالتعاون مع الفضاء الجمعوي بالمغرب، والجمعية الديمقراطية للنساء بالمغرب حلقة دراسية حول "حرية تكوين الجمعيات في المنطقة الأورو-متوسطية" أعلن في ختامها "إعلان الدار البيضاء".
     
    كما أطلقت الشبكة،بعد ذلك، بمساندة الوكالة الدنماركية للتنمية (DANIDA)، دراسة حول الاحتياجات والتوقعات في مجال دعم المدافعين عن حقوق الإنسان. وتمت المصادقة على دراسة الجدوى التي تم إعدادها في الغرض، في الجمعية العامة للمنظمة مما سمح ببعث "المؤسسة الأورو-متوسطية لمساندة المدافعين عن حقوق الإنسان في 2004، كهيكل مستقل. كما نشّطت الشبكة بالاشتراك مع مؤسسة "سايدو من أجل المتوسط" (العاملة في الحقل الثقافي) ورشة عمل حول حرية تكوين الجمعيات خلال المنتدى المدني الاورو-متوسطي الذي انعقد بمراكش (المغرب) من 5 إلى 7 تشرين ثاني 2006.
     
    إن هذا البرنامج نتاج تآلفي لكل تلك المبادرات المجسدة للاهتمام الذي توليه الشبكة الاورو-متوسطية لحقوق الانسان منذ عشر سنوات لمسألة حيوية هي حرية تكوين الجمعيات. والغاية من هذا المشروع هي العمل على الارتقاء بخبرة الحركة الجمعياتية في ميدان حرية تكوين الجمعيات، واكتساب قدرة على المتابعة والاقتراح لغاية الحث على القيام بإصلاحات تشريعية ذات معنى أينما كان ذلك ضروريا. والتشجيع على وضع أطر معيارية لممارسات سلطة الإشراف. إذ أن تعزيز قدرات المجتمع المدني ومكوناته يمثل عاملا هاما في مسار الإصلاح الديمقراطي. وإضافة لإعداد التقارير الدورية حول حرية تكوين الجمعيات الخاصة بكل بلد من البلدان المعنية، بإتباع مسار يشارك فيه أعضاء وشركاء الشبكة، يضاف الى عمل الشبكة إعداد منهجية تسمح بضبط عدد من العوامل المساعدة على قياس مدى التقدم أو التراجع في إنقاذ حرية تكوين الجمعيات من سنة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر.
     
     
    ولقد تم تشكيل لجنة إشراف[2]خبرات من أوساط الحركة الجمعياتية تم تكليفهم، بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني المستقلة الأكثر نشاطا، لإعداد تقارير خاصة بكل بلد تغطي في نفس الوقت الجوانب القانونية والسياسية لحالة الحريات الجمعياتية، وأيضا حول النظم والممارسات المطبقة من طرف السلطات الحكومية والحركة الجمعياتية ذاتها. ويحتوي الهيكل العام لهذه التقارير على تمهيد يتناول الإطار التشريعي والسياسي العام، متبوعا بأربع أو خمس أقسام متعلقة بالتأسيس وتسجيل الجمعيات، وحلها وتعليق نشاطها، إضافة إلى مسائل النتظيم والنشاط والتمويل والجباية والمراقبة إلى جانب الإدارة والشفافية ( بدمج النقطتين الأخيرتين بالنسبة لبعض البلدان). وبناء على مقترح لجنة الإشراف، قررت مجموعة العمل عدم توسيع التقرير ليشمل الحركات النقابية والأحزاب السياسية. من أجل إطلاق المشروع والبحث عن
     
    خلال اجتماعها العام الأول في 3 و 4 مارس 2007 بكوبنهاجن (الدنمارك)، أحصت مجموعة العمل المكونة من أعضاء[3]منحدرين من مختلف دول المنطقة، والخبيران اللذان اختارتهما الشبكة، ماري غنطوس(لبنان) وخميس الشماري (تونس)، ما بين 20 و25 مسألة لتكوّن سلم فحص التقارير الخاصة بكل بلد، في قاعدة شبيهة خاصة لـ11 بلد من جنوب وشرق المتوسط. كما تم تحرير تقرير مرجعي حول التمتع بالحرية الجمعياتية في الاتحاد الأوروبي. كل هذه التقارير متوفرة اليوم على موقع الشبكة الأورو-متوسطية لحقوق الإنسان على شبكة الأنترنت، حيث تمت استشارة واسعة بخصوصها مع أعضاء وشركاء الشبكة.
     
    وقام الخبيران وفريق سكريتاريا الشبكة بمهمة التلخيص المرجعي  لتلك التقارير، وذلك بالحفاظ على الهيكلة الأصلية للتقارير. وبناء على مجموع هذه الأعمال، وبعد إجراء الاستشارات تم الاحتفاظ بعدد من التوصيات المقترحة. وسيتم مناقشة تلك التوصيات المقترحة في الاجتماع الثاني لمجموعة العمل في كاون اول 2007، ويمكن لها أنبالتالي ، ان تقود الى تطوير نشاطات حثيثة و صلبه على المستوى المحلي ، تتمحور هذه النشاطات حول مؤشرات سيتم إختيارها لتساعد على تحديد الأولويات ، سواء على مستوى الإصلاحات المطلوب تعزيزها أو على مستوى جدولة الأنشطة المستقبلية لمجموعة العمل ذاتها.
     
    تمثل هذه الدراسة الأولى فحصا معمقا للتشريع و الممارسة الخاصة بحرية تكوين الجمعيات في المنطقة الأورو-متوسطية. واعتمادها أساسا لمقاربة وصفية . وتهدف الدراسة لتوفير أدوات عمل للجمعيات الميدانية لمساعدتها في تدخلاتها الخاصة بالحرية الجمعياتية. ولأسباب تطبيقية وعملية يقتصر هذا التقرير الأول على جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان دون غيرها. غير أنه يمكن أن تتوسع التقارير القادمة لتشمل ،إذا ما اقتضت الضرورة ، أصنافا أخرى من الجمعيات. كما ننوي نشر تحديثات منتظمة وسنوية إذا أمكن ذلك، من شانها تغطية وإكمال ما يطرأ من تطورات طارئة على حالة حرية تكوين الجمعيات في المنطقة.
     
    ·        حق تكوين الجمعيات، مقياس لحالة الحريات الاساسية:
    اعتبرت كل من المادة 20 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أن حرية تكوين الجمعيات هي حرية لا يمكن فصلها عن الحريات الخاصة بحرية الرأي والتعبير والإعلام، وتعتبرها عنصرا حاسما في كل عملية إصلاح ديمقراطي ودونها لا إمكانية لوجود ديمقراطية وهي إلى ذلك تعد مقياسا لوضع الحريات الأساسية.
     
    الحق في حرية تكوين الجمعيات يتضمن الحق في الانتساب أو تكوين و مغادرة أي مجموعة، أو جمعية أو شركة أيا كان شكلها القانوني. وهو يستوجب إمتناع الدولة عن التدخل عند تكوين الجمعية وأثناء قيامها بنشاطها. في المقابل يوجب على الدولة توفير وضمان بيئة يساعد على إعمال هذه الحرية[4]تعد رافعات أساسية لتعزيز وحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما أن العكس صحيح ، حيث يرتبط التطبيق الكامل للحقوق المدنية والسياسية بدرجة التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. إن الحق في التشارك و تكوين جمعيات يرتبط بشكل لصيق بالحقوق المدنية والسياسية الأخرى، وهي
     
    من جهة أخرى، فإن لحرية تكوين الجمعيات والحقوق ذات الصلة أهمية حاسمة بالنسبة للنساء اللواتي يشكلن اللاعبات الرئيسيات كمحفزات ومنظمات للعمل المدني. إن حرية وقدرة النساء على ممارسة حق تكوين الجمعيات مقيدان باستمرار بمحدودية وصولهن ومراقبتهن للموارد الاقتصادية والسياسية. من جهة أخرى، تشكل بعض المعايير الثقافية و القيم الاجتماعية إعاقة لعمل النساء حتى داخل أوساطهن ، لذا يتوجب على الحكومات توفير مناخ ملائم لمشاركة النساء في الحياة الجمعياتية والقضاء على كل أنواع التمييز التي تطالهن.
     
    إن الحق في حرية تكوين الجمعيات مكفول ومحمي بالإعلان العالمي لحقوق الانسان. حيث تحدد المادة 20 (1) أن "لكل شخص الحق في حرية الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية" في حين أن المادة 23(4) تنص على أن "لكل شخص الحق في أن يأسس مع آخرين نقابات وأن ينخرط في نقابات للدفاع عن مصالحه. أما المادة 22(1) من العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية فتقر بأن "لكل فرد الحق في حرية تكوين الجمعيات مع آخرين، بما في ذلك حق إنشاء النقابات و الانضمام إليها من أجل حماية مصالحه". وتنص المادة 8(1) (a) من العهد الدولي المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على أن "تلتزم الدول الأطراف في هذا العهد بضمان حق أي شخص في أن يشكل نقابات مع آخرين، وان ينتسب إلى النقابة التي يختارها، سوى قواعد المنظمة المعنية، على قصد تعزيز مصالحه الاقتصادية والاجتماعية وحمايتها. ولا يجوز إخضاع ممارسة هذا الحق لأية قيود غير تلك التي ينص عليها القانون ، وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو النظام العام أو لحماية حقوق الآخرين وحرياتهم."
    إن إعلان الجلسة العامة للأمم المتحدة حول حق ومسؤولية الأشخاص، والجماعات وهيئات المجتمع من أجل تعزيز وحماية حقوق الانسان والحريات الاساسية المعترف بها عالميا، أعاد التأكيد على حق المواطنين في التشارك الحر، وخاصة من أجل حماية وتحقيق الحقوق والحريات الأساسية. كما أعاد الإشارة إلى أن المسؤولية الرئيسية في تعزيز وحماية الحقوق والحريات الأساسية تعود للدولة.
     
    الفصل الخامس من الإعلان يعيد التأكيد على الحق في " الالتقاء، والتجمع السلمي، وتشكيل منظمات غير حكومية أو روابط أو جماعات، والانضمام إليها والاشتراك فيها، والاتصال مع المنظمات غير الحكومية أو بالمنظمات الحكومية الدولية".
     
    ينص الفصل السابع من الاتفاقية الخاصة بالقضاء على كل اشكل التمييز تجاه النساء، على حق المرأة في المشاركة في المنظمات والجمعيات غير الحكومية. إن اتفاقيات منظمة العمل الدولية تحمي حرية تكوين الجمعيات، وخاصة الاتفاقية المتعلقة بالحرية النقابية وحماية الحق النقابي التي تحمي حق العمال والموظفين في الانتساب إلى منظمات أو تأسيسها، والعمل دون تدخلات أو قيود مسبقة من طرف الدولة.
     
    الآليات الإقليمية لحقوق الإنسان خاصة بالمنطقة الأورو-متوسطية  تنص كذلك على حماية الحق في تكوين الجمعيات:
    -         الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الانسان والحريات الأساسية وبروتوكولاتها الاضافية (الفصل 11).
    -         المعايير المرجعية للاتحاد الأوروبي النتعلقة بالمدافعين عن حقوق الانسان.
    -         الشرعة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب الفصل (10).
     
    إضافة لإعلان المبادئ والمعايير المتعلقة بحرية تكوين الجمعيات في البلدان العربية، المصادق عليه في ختام لقاء جمع من رجال القانون الأكفاء، والذي أكد على أهمية حرية تكوين الجمعيات من أجل "تحقيق التنمية البشرية المستدامة، ورفع اهتمام المواطن بالشؤون العامة. كما أتُبع إعلان عمان بإعلان الدار البيضاء[5] في تشرين اول 2000.
     
    ان فحص واقع حالة الحرية الجمعياتية في شمال وجنوب وشرق المتوسط سيتم استنادا إلى مجمل هذه الآليات ، وأكثرها أهمية ما يتمتع بصبغة قانونية ملزمة لمعظم بلدان المنطقة. إن حرية تكوين الجمعيات هي في نفس الوقت "حرية مسموح بها تضاف إليها مقدرة قانونية محدودة" " و"هي حرية خاضعة باستمرار للتدخل والمراقبة، وتحت تهديد الحل الإداري"[6].
     
    ·         الوضع الحالي: انتهاكات خطيرة لحقوق الانسان و تجاوزات من كل نوع لحرية تكوين الجمعيات.
     
    رغم الخطابات الرسمية المتكررة حول حماية حقوق الإنسان ودولة القانون، تبقى الوضعية في بلدان جنوب وشرق المتوسط مثيرة للقلق فيما يخص التمتع الفعلي بالحريات الأساسية. منذ اعتداءات سبتمبر 2001 ، تواصل معظم دول المنطقة وضع استراتيجيات قمعية تسعى للحد من حرية تكوين الجمعيات وحرية التجمع وحرية التعبير. إن انتهاكات حقوق الانسان ، وانكار العدالة  هي ممارسات تسير جنبا الى جنب مع الأشكال المتعددة للتحرش والضغط والاختطاف والعنف تجاه كل مظهر من مظاهر الاحتجاج أو المناهضة. إلا انه من المناسب عدم إغفال عدد من الخطوات الإيجابية خاصة في المغرب ولبنان (رغم التدخل العسكري الإسرائيلي في صيف 2006 والتدخل السوري)، فإن هذه المكتسبات تبقى نسبية واعتباطية في نواحي عديدة. إن تأزّم الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي و تصلب السياسة القمعية لإسرائيل وتدهور الوضع في غزة، وبشكل أقل في باقي الأراضي الفلسطينية المحتلة، إضافة إلى تبعات حرب الاحتلال في العراق وتضاعف العمليات الإرهابية، تشكل كلها عوامل لانعدام أمن مجمل شعوب المنطقة. إن هذا المشهد الذي يبدو مغرقا في السوداوية، هو مطابق في واقع الأمر لما أجمعت على معاينته تقارير أكبر منظمات ومؤسسات حقوق الإنسان الدولية.
     
     إن نتائج وآثار نمو الإرهاب الجهادي لا يجوز الاستهانة بها بأية حال، فالتوظيف المنهجي من طرف الدول لهذا التهديد، الوارد في الواقع بدرجات مختلفة، يخلق وضعية مثيرة للقلق بشكل خاص[7]. إن التمتع بالحريات الفردية تعاني من تقييدات شديدة في كل من تونس وليبيا، كما أن احتكار دولة الحزب الواحد أو حزب الحكومة المهيمن ذي الصلاحيات المطلقة  -بكل  ما يخلفه ذلك من اعتباطية في من مصر وسوريا ، يعزز إخضاع المواطنين لـ "قوة الطاعة[8]". ولا تزال حالة الطوارئ السارية المفعول إلى الآن في كل من الجزائر و مصر وسوريا، (وذلك حسب الترتيب منذ 1992، 1981، 1963) مبررا  لاتخاذ التشريعات القمعية و القوانين الاستثنائية.
     
    وفي ظل هذه الأوضاع وعلى المستوى الإقليمي، تواجه المكونات المستقلة للمجتمع المدني، من نشطاء المنظمات غير الحكومية ونقابيين ومحامين وقضاة و مناضلات نسويات إلى جانب المدافعين عن حقوق الإنسان، أكثر أشكال القمع تنوعا، حيث ويتعرض هؤلاء لمخاطر بدنية والى تهديد سلامتهم بشكل دائم مما ينتج عنه بالخصوص انتهاكات لحقوقهم الأساسية (الحياة الخاصة، الحياة المهنية، الحياة العامة) ولحقهم في التنقل ، مما ينامي حجم الجمعيات غير المعترف بها (تعسفا) ، ويجبرها على القيام بأعمالها تحت ظروف سرية وخطرة.
     
    ومع احتمال إطلاق مسلسل توسيع الاتحاد الأوروبي، يجب أن تأخذ تركيا توقعات الاتحاد الأوروبي بعين الاعتبار، رغم ان الحالة السائدة فيها  مختلفة عن تلك الطاغية على مجموع بلدان جنوب المنطقة الاورو-متوسطية، إلا أن وزن الجيش وإنكار تطلعات الأكراد تمثل عوامل خطر مهمة و تهديدا حقيقيا لحق التمتع بالحريات في هذا البلد. وأخيرا ، فان العملية الديمقراطية  في الضفة الشمالية من المتوسط تأثرت أيضا بالانحرافات الخانقة للحريات، تحت غطاء مقاومة الأخطار الإرهابية (المشروعة في حد ذاتها) وتحت تأثير هوس التحكم في موجات الهجرة القادمة من بلدان جنوب المتوسط وإفريقيا.
     
    في ظل هذا الوضع يضيف الخناق على حرية تكوين الجمعيات في أغلب بلدان جنوب المنطقة المتوسطية، حيث تسعى السلطات القائمة إلى تجنب بعث جمعيات مستقلة وذلك عبر تشريعات غير دستورية في غالب الأحيان ،وممارسات إدارية تعسفية. هكذا تخضع الجمعيات القانونية المستقلة إلى تحرش بوليسي وقضائي يتراوح بين المراقبة الأمنية وتخريب المقرات مرورا بمنع منع الجمعيات من عقد مؤتمراتها أو اجتماعاتها.
     
    أن هذه القائمة من الصعوبات والعوائق، والتي لا تعد شاملة ، في مجال ممارسة حرية تكوين الجمعيات الا انها تسمح بإبراز العناصر التالية :
     
    ·         استحالة المراهنة على أي انفتاح أو إصلاحات تقضي بإعمال حق تكوين الجمعيات في ظل وضع تتواصل فيه حالة الطوارئ والقوانين الاستثنائية.
    ·         رغم جدية المخاطر الإرهابية، فإن السياسات التي تركز بشكل كلي على النواحي الأمنية والممارسات الخانقة للحريات لا تساهم في صد التطرف والتعصب. إن التشريعات المسماة بـ"مقاومة الإرهاب وغسيل الأموال" يمكن أن تؤدي، في دول كتونس والأردن مثلا، إلى عكس النتائج المنتظرة منها.
     
    ·         إن الخلط بين السلطتين التنفيذية والقضائية، وإخضاع القضاء ، عبر القمع والتخويف، تجعل تكميم الافواه ،  وسحق اي معارضة او مظاهرة أمرا ممكنا . وعن طريق قمع اي تصور لحدوث تغيير وتقدم سلمي ، تساهم هذه المؤسسات على تشجع الانحرافات الأكثر خطورة، وتهدد الأمن الاجتماعي وتمس جوهر مصداقية حكم القانون.
     
    ·         إن النظام  الغامض المسمى بـ "المزدوج" حيث نجد ضمانات دستورية من جهة وترتيبات تشريعية تقيد بشكل منهجي التمتع بالحريات من جهة ثانية – مثلما هو الأمر في أغلب بلدان المنطقة – يتكاملان لتشكيل عائق في مجال حق تكوين الجمعيات. إن أي إصلاح تحرري وديمقراطي في هذا المجال يستوجب إذن إلغاء " نظام الترخيص المسبق" لصالح نظام "التصريح" (حيث تستطيع السلطات عند الضرورة الالتجاء للقضاء للاعتراض على التسجيل، شريطة أن لا يؤدي هذا إلى مفعول يعلق نشاطات الجمعية). وفي مقابل التطور الإيجابي للإصلاحات التشريعية في المغرب ولبنان نجد في باقي بلدان المنطقة ممارسات تصطدم فيها طلبات التسجيل بإجراءات بيروقراطية طويلة ومضنية الهدف منها إحباط الجمعية المعنية. كما تتم ممارسة ضغوط بما في ذلك مادية في بعض الحالات لنفس الغايات يضاف إليها البطء المتعمد في إجراءات الطعن القضائي مدنية كانت أو إدارية.
     
    ·         تتكرر التدخلات المباشرة لسلطات الإشراف في إدارة وترتيب الجمعيات. حيث تأخذ أشكالا متنوعة تتراوح بين حضور أعوان الأمن الخفي أحيانا وتنظيم انقلابات فعلية باستعمال القوة لإزاحة قياديين في الجمعيات من مسؤولياتهم والسعي لغلق مقراتهم، مرورا بإجراءات قضائية مركبة من قبل منخرطين أعضاء في حزب الدولة. لذلك ، يضطر النشطاء المعنيين إلى إنشاء هياكل ذات صبغة تجارية، حين يسمح القانون بذلك، للالتفاف على الصعوبات والموانع المفروضة على الجمعيات. غير أن هذا المنفذ لا يضعهم بالضرورة في منأى عن التدخلات السلطوية خاصة وأن الأجهزة القضائية كثيرا ما تجيز تدخلات سلطات الإشراف الإدارية والسياسية.
     
    ·         في كامل المنطقة، عادة ما تترافق العوائق أمام حرية تكوين الجمعيات مع كبح الصحافة، ووسائل الإعلام السمعية والبصرية والاتصال (خاصة عبر شبكة الانترنت).
     
    ·         تسعى عدد من بلدان المنطقة للحفاظ على الخلط المتعمد بين التشريعات المتعلقة بالجمعيات وتلك الخاصة بالأحزاب السياسية لغاية منع إي تطور حقيقي للتعددية الحزبية. إن منع الجمعيات من تعاطي أنشطة سياسية، ووضعها تحت طائلة الحل أو منع جمعية سياسية يعد تهديدا خطيرا ، نظرا لكون تعريف  مفهوم "النشاط السياسي" بعيدا عن الوضوح في هذه التشريعات. ويضاف إلى التأويلات التعسفية لمفهوم "النشاط السياسي"، في سوريا مثلا، الاتهام الملفق والخطير بـ"الالتزام في إطار منظمة لا قانونية ذات صبغة دولية". وفي سياق مختلف لنفس الفكرة، لكن باعتماد نفس المنظور التقييدي، واجه "المركز من أجل  العمل النقابي وحقوق العمال CTUWS "[9] الاتهام بالتدخل اللاقانوني في حقل العمل النقابي.
     
    ·         بالاضافة الى التسهيل من التشريعات على حق تكوين الجمعيات ،  ينبغي العمل على تطوير التنسيق والائتلاف وتشكيل والشبكات بين الكيانات التي تشتغل على نفس القضايا المشتركة. ويساعد هذا التوجه على تنويع حقل تدخل الجمعيات، وتجاوز الخصوصيات السياسية أو الاديولوجية، وتشجيع التربية على ممارسات مواطنية متجدّدة . في عدد من البلدان، مثل تونس ومصر وسوريا، يصطدم هذا التوجه برفض السلطات التي تفرض إجراءات اعتماد مسبقة. ففي هذه البلدان لا يمكن تشكيل ائتلاف بشكل تلقائي بين جمعيات معترف بها (مثلا ضد عقوبة الإعدام أو من اجل المصادقة على معاهدة روما المتعلقة بالمحكمة الجنائية الدولية).مثل هذا النشاط يتطلب تقديم ملف لطلب اعتماد مسبق مع العلم المسبق بعدم توفر ضمانات الاستجابة.
     
    ·         إن توفر الإمكانية أمام لجمعيات الاتخاذ التدابير القضائية والمطالبة بالحق الشخصيلصالح  طرف ثالث متضرر هو عنصر هام لتطوير الممارسة الفعلية لحق تكوين الجمعيات. إن احتراز غالبية دول المنطقة وأحيانا معارضتها لمثل هذا التطور تكشف عن مدى عصبيتها وتخوفها من المبادرات الجمعياتية المستقلة.
     
    ·         التضاعف  المنهجي لعدد الجمعيات و المنظمات ذات الولاء الكامل للحكومة، في الدول الاوتوقراطية ذات الطابع الشمولي، على حساب الجمعيات غير الحكومية التي تواجه التقييدات ورفض الاعتراف والإقصاء ، والمسماة "حقا حكومية" ، والتي تتمتع بإمكانيات ضخمة للتأطير الاجتماعيي للسكان والمراقبة السياسية على الحكومات، المساهمة  في تطوير سياسة دعائية و"تمثيل" للمجتمع المدني على مستوى الهيئات الدولية.
     
    ·         في بعض البلدان، مثل الأردن، أثارت مسألة الجمعيات الخيرية اهتمام الحركة الجمعياتية نظرا لأهميتها الكمية. وبغض النظر عن كون هذه الهيئات مكونا من مكونات المجتمع المدني مع أن أغلبها ذي صبغة تقليدية، عشائرية أو عائلية، فهي معرضة، بفعل الوجاهات والتقاليد السائدة ،  إلى مخاطر التوظيف من طرف سلطات الإشراف الحكومية. أن التحديات التي تواجه المجتمع المدني في تلك البلدان تتضمن التطور ، واتباع طرق إدارية سليمة في تلك الجمعيات لتضمن استقلاليتها واستمرارية عملها المستقبلي بالتنسيق مع الجميعات اللأخرى.  
    ·         إن الممارسة الفعالة لحرية تكوين الجمعيات ترتبط بشكل حاسم بمدى التحرك من أجل المساواة في االجنس (نساء/رجال) وبالمبادرات النسوية، فهذه الأخيرة تجد نفسها في مواجهة أقصى أشكال الحذر من طرف السلطات الحكومية إضافة إلى عدوانية التيارات المحافظة في المجتمع. إن عمليات المناداة من أجل مساواة فعلية ومواطنة حقيقية تصطدم غالبا بممارسات تقيّد التمتع بحق تكوين الجمعيات إضافة لتعرضها لحملات إعلامية معادية وغير متسامحة.
     
    ·         إن احترام وإنفاذ الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية يصبح عرضة لمعيقات جدية إذا غابت إمكانية التشارك السلمي والتعبير الحر. هنالك أيضا مواضيع حساسة أخرى ذات علاقة بحرية تكوين الجمعيات هي تلك ذات الصلة بوضعية المساجين السياسيين وبإدانة التعذيب ومقاومة الإفلات من المساءلة  القانونية ومسارات "الحقيقة والعدالة". وفي مقابل المكاسب المسجلة أخيرا في هذا المجال بالمغرب من جهة، نجد "عهد النسيان" القائم في أغلب بلدان المنطقة أو السهو المتعمد للعفو الجزائري من أجل "السلم والمصالحة"، التي تبين عدم الوضوح الذي يتم في إطاره التعامل مع هذه المواضيع من جهة أخرى. وهو الأمر ذاته بالنسبة لحالة عمل المحامين والقضاة بصفتهم  فاعلين أساسيين في النضال من أجل استقلال القضاء، والدفاع عن مصالح الفئات الضعيفة، ومناهضة الفساد أو كما هو الأمر أيضا بالنسبة للرهانات البيئية التي لا يمكن قصرها على تدخلات الدولة وحدها.
     
    ·         تعد مسألة تمتع الجمعيات بالتمويل العمومي أو الخاص، محليا كان أو أجنبيا، جزءا لا يتجزأ من النضال لتفعيل الحق في تكوين الجمعيات، وهو أمر يفترض وضع سياسات تمويل عامة غير منحازة ، وإقرار حرية جمع الأموال ، وقبول الهبات الخاصة بشرط الشفافية التامة فيما تعلق بمصدر الأموال وأبواب إنفاقها. وهو ما يتطلب أيضا احترام دول المنطقة التي تتمتع بامتيازات في التمويل في إطار التعاون الدولي الثنائي أو متعدد الأطراف. و ينطبق نفس الأمر بالخصوص على الشراكة الأورو-متوسطية (اتفاق الشراكة وخطط العمل الوطنية لسياسة الجوار). كما لا بد من التنديد بإجراءات تجميد الأموال، والإجراءات الإدارية والقضائية القاضية بحل الجمعيات أو بتتبع قيادييها ومناضليها جنائيا في كل من مصر وسوريا وتونس بالخصوص. و يجب أن نسجل أيضا أن السلطات الإسرائيلية قدمت مشروع قانون ينص على تقييدات خطيرة في ميدان حصول الجمعيات على تمويل أجنبي (تم رفضه في النهاية من طرف الكنيست في 3 مارس 2005).
     
    ·         حتى نتمكن من متابعة تطور حالة حرية تكوين الجمعيات، نرى أنه من المناسب منح معايير المرجعية الدولية المكانة الهامة التي تستحقها. على الرغم من الإقرار المشهود بوجوب احترام الحقوق الفردية والعامة، تتعرض هذه الحقوق في الوقت نفسه إلى انتهاكات متكررة من طرف غالبية دول المنطقة متنصلة بذلك من التزاماتها الدولية والإقليمية التي سبق أن تعهدت بها. إلى ذلك فإن التحفظات التي رافقت التصديق على عهود واتفاقيات القانون الدولي الخاصة بحقوق الإنسان والقانون الإنساني، من شأنها أن تفرغ بعض الأحكام المهمة في هذه النصوص من مضمونها. إن العمل على ملاءمة الدول لقوانينها الوضعية المحلية مع التزاماتها الدولية يعد أحد أولويات الحركة الجمعياتية. وكذلك الشأن فيما يخص احترام الالتزامات المعقودة في إطار الاتحاد الإفريقي وفي إطار الشراكة الاورومتوسطية ( المادة 2 من اتفاقات الشراكة)، إضافة إلى اعتماد فقه لجنة حقوق الإنسان الأممية والآليات التقليدية (التقارير الدورية الخاصة بمتابعة احترام العهود والمعاهدات المتعلقة بالدفاع عن حقوق الإنسان) والآليات فوق التقليدية (مجموعات العمل والمقررون الخاصون للأمم المتحدة). في الختام يجدر أن نأخذ بعين الاعتبار – وهو الأمر غير الحاصل – إعلان الأمم المتحدة الخاص بالمدافعين عن حقوق الإنسان المصادق عليه في 9 ديسمبر 1998 والمعايير المرجعية للإتحاد الأوروبي الخاصة بالمدافعين عن حقوق الإنسان والمصادق عليها في 15 جوان 2004.
     
    خلاصة:
    بناء على هذه المعطيات ، فإن الهدف من تقارير الدول المشاركة هو تحديث تحليل التشريعات والمسلكيات المرتبطة بالتمتع بالحق في تكوين الجميعيات ، والمساهمة في تطوير أداة لمراقبة وضع الحريات الاساسية في النصف الجنوبي من الاقليم الاورو-متوسطي . مؤلفي التقارير والمؤسسات بالاضافة الى المستشارين الذين تم اخذ آرائهم، يأملون بأن يحوز هذا النقاش على اهتمام القراء ، وفقا لما ذكره المفوض العام للجنة العليا لحقوق الانسان لويس آربور ، بأنه " تقع على كل فرد منا مسؤولية المشاركة في هذا الحوار" .
     
     


    [1]- كاتب عام ونائب رئيس سابق للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، نائب برلماني سابق، عضو بمجلس إدارة المؤسسة الأورومتوسطية لدعم المدافعين عن حقوق الإنسان.
    [2] - السادة عبد الجليل العروسي، غسان مخيبر، والسيدو والسادة: Birgit Lindsnaes, Iain BYRME, Jan de VRIES
    [3]- السيدات والسادة : علي عمار, M. Halil Bayhan, رضوان بودجيمة، , Mme Lis Dhundale, M. Panayote Dimitras, Mme Maria Fahmy, معتز الفجيري,   يامنة جبار, أنور القوصري، , Mme Anne-Laurence Lacroix, عبد الجليل العروسي،, Mme Birgit Lindsnæs, عمار المستيري، , غسان مخيبر،,Mme Eva Norström, M. Jan Ter Laak et M. Jan de Vries.
    [4]- حول كل هذه التطورات المتعلقة بالتعريف أو بالمعايير المرجعية الدولية، وجب الاطلاع على "حرية تكوين الجمعيات" الصادر في اكتوبر 2003 بقلم Carolina Rodriguez Bello, « La liberté d’association – octobre 2003 » WHRnet.
     
    [5] "حرية الجمعيات في المنطقة الأورومتوسطية، إعلان الدار البيضاء، في اكتوبر 2000"، منشورات الشبكة الاورومتوسطية لحقوق الإنسان والجمعية المغربية الديمقراطية للنساء، والمنظمة المغربية لحقوق الإنسان والفضاء الجمعوي المغربي.
    [6]- راجع: "حرية تكوين الجمعيات" حسب قانون الجمعيات في المنطقة المتوسطية" لصاحبه محمد مواقيت، خلال الندوة الإقليمية، المنعقدة بالدار البيضاء – المغرب من 5 إلى 7 اكتوبر 2000 والمشار إليه آنفا.
    [7] - راجع بالخصوص "الخلاصات الصادرة عن "حصة الاستماع الشبه إقليمية حول موضوع الإرهاب وحقوق الإنسان والمنظمة من طرف فريق " لجنة من أبرز رجال القانون"، عينتهم اللجنة الدولية للحقوقيين، CIJ في شهر جويلية 2006 بالرباط (المغرب)
    [8]- هي استعارة لعنوان كتاب الجامعية الفرنسية Béatrice Hibou « La force de l’obéissance : économie politique de la répression en Tunisie », Éditions la Découverte, Paris.
    بعنوان "قوة الطاعة : الاقتصادي السياسي للقمع في تونس"
    [9] - منظمة تعمل من أجل العمل النقابي وحقوق الشغالين CTUWS تم غلقها بمفعول قرار إداري في 29 مارس 2007.
~