مقابلة مع كاتب التقرير: خميس شماري

كيف يمكنك أن تصف، ببضعة جمل، وضع حرية تكوين الجمعيات في تونس؟
التقيت في مناسبتين مع أنور خوصري، نائب رئيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، وعضو مجموعة العمل الذي كتب جزءا كبيرا من تقرير تونس، وذلك لمراجعة التقرير وتسليمه. على الرغم من أن تونس وقعت على العهد الدولي الخاص للحقوق المدنية والسياسية، وأن المادة 8 من الدستور التونسي تضمن حرية تكوين الجمعيات، إلا أن الوضع الراهن في تونس يثير القلق إلى حد كبير. فمن ضمن ما يزيد عن سبعة آلاف جمعية مسجلة، إلا أن أقل من عشر من تلك المنظمات تتمتع بأي استقلال عن الدولة، وهي دائما تتعرض لشتى أصناف القمع، بما في ذلك مضايقات من الشرطة والقضاء مما يعيق قدرتهم على العمل. وهذه هي حال الرابطة التونسية لحقوق الإنسان التي لم تتمكن من عقد مؤتمرها السادس منذ ثلاث سنوات، وكذلك الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، والجمعية التونسية للأبحاث والتنمية، إضافة إلى جمعية القضاة التونسية، والتي وقعت ضحية صراع مرير على السلطة. وثمة عدد آخر من المنظمات التي لم تتمكن من التسجيل رسميا فاضطرت للعمل بالسر على الرغم من المخاطر الشديدة الناجمة عن ذلك: المجلس الوطني للحريات في تونس، الجمعية التونسية لمكافحة التعذيب، والجمعية الدولية لدعم السجناء السياسيين، وجمعيات آخرى تكافح شتى أنواع العنف، بما في ذلك الاعتداءات الجسدية. لقد تم منع نقابة الصحفيين التونسيين من عقد اجتماعها العام الأول، على الرغم من أن اجتماع من هذا النوع لا يتطلب موافقة مسبقة من السلطات بحسب نصوص الدستور. وأخيرا، من المستحيل تأسيس تحالفات أو شبكات (حول قضايا مثل عقوبة الإعدام، أنظمة روما بشأن المحكمة الجنائية الدولية، المبادرات التي استهلتها الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، والقسم التونسي لمنظمة العفو الدولية، وقد تم منع تجمع 18 تشرين الأول/أكتوبر للحقوق والحريات من عقد اجتماع أكثر من خمسين مرة خلال عامين)، وتطلب السلطات من المنظمات الحصول على موافقة مسبقة بشأن أية مبادرة من هذا النوع، ولكنها لا تجيب على أي طلب بهذا الخصوص. وفي واقع الأمر، ترغب الدولية بالسيطرة على الجمعيات والمجتمع المدني واحتكار نشاطاتها. إن الأساس التشريعي في البلاد هو الذي يتيح انتشار ما يسمى النظام "المزدوج"، والذي يعني ضمانات دستورية مصحوبة بإجراءات تشريعية تؤدي إلى التقييد المنهجي لممارسة الحريات. والحل الوحيد هو التشكيك في النظام بأكمله الذي يتطلب موافقة مسبقة، والاعتماد بدلا عن ذلك على "نظام يستند إلى الإعلان"، حيث يمكن للوزارة المعنية رفض تسجيل جمعية إذا كان الأمر مستندا إلى قرار قضائي.
ما هي النقطة السلبية الرئيسية في الوضع الحالي؟
إنها هي ذات النقطة التي ذكرتها للتو، إضافة إلى حقيقة أن تدخل السلطات أصبح يتزايد فيما يخص الجمعيات، وخصوصا الجمعيات التي تظهر نزعة استقلالية. ويتخذ هذا التدخل عدة أشكال، تتراوح بين التواجد السري لعملاء أجهزة الأمن، إلى أعمال ثقيلة الوطئة من الاستخدام السافر للقوة، مثل "محاصرة" مكاتب الجمعيات (مثل ما حدث لمقر الرابطة التونسية لحقوق الإنسان وفروعها)، وإجبار قادة الجمعيات على الاستقالة من مناصبهم، وتغيير الأقفال على أبواب الجمعيات، والتحريض على ملاحقات قضائية، وكذلك تدخلات من قبل جماعات مؤيدة للدولة. ومؤخرا، تم إضرام النيران بمكتب السيد عياشي حمامي. ونشهد حاليا تلاعب منهجي في إدارة الجمعيات والمنظمات المؤيدة للحكومة، مما يؤدي إلى الضرر بسمعة المنظمات غير الحكومية التي تكافح القيود والإقصاء وعدم الاعتراف بشرعيتها. هذه الجمعيات المؤيدة للحكومة تمتلك وسائل كثيرة للسيطرة على السكان سياسيا واجتماعيا ضمن مجالها. وعلاوة على ذلك، فإنها تساهم في تطوير سياسات متشددة ومضللة بخصوص تمثيل "المجتمع المدني" على المستوى الدولي، وهي تسعى للاستئثار بتمثيل المجتمع المدني على الرغم من البروباغاندا التي تزعم بغير ذلك.
ما هي العقبات الرئيسية أمام الاستخدام السلمي لحرية تكوين الجمعيات؟
هناك عناصر أشرت إليها في إجابتي على الأسئلة السابقة، ويجب أن نضيف لها الانتشار الواسع للتحايل في تفسير القانون، مما يؤدي إلى إخضاع النظام القانوني وإسكات الصحافة ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة، وتقييد الاتصالات باستخدام الإنترنت، ورفض الاعتراف بوجود الجمعيات السياسية، واستحالة مقاضاة السلطات، وبطئ النظام القضائي، والاستحالة شبه الكلية لاستئناف الأحكام أمام المحاكم المدنية والإدارية. وأخيرا، فإن حرية التنقل ، وإمكانية طلب تمويل عام أو خاص تخضع لشروط اعتباطية. وكما تعلمون، عمدت السلطات إلى احتجاز التمويل القادم من الخارج (كما جرى مع الرابطة التونسية لحقوق الإنسان الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات مؤسسة المرأة التونسية للدراسات والتنمية)، بما في ذلك التمويل المقدم من الاتحاد الأوروبي للشراكة الأورو-متوسطية وخطط العمل الوطنية المنبثقة عن سياسية الجوار الأوروبية.
ما هي النقطة الإيجابية الرئيسية في الوضع الحالي وما هو رأيك الشخصي حول مستقبل حرية تكوين الجمعيات في تونس؟
إن الصورة قاتمة إلى حد بعيد، ولكن على الرغم من الاستخدام المتعسف للسلطة، فإن العدد القليل من الجمعيات المستقلة المعترف بها والجمعيات الأخرى التي أجبرت على العمل في الخفاء، تظهر إرادة على المقاومة، وأظهرت علامات على "المرد على قانون الجمعيات" خلال السنوات الثماني أو التسع الماضية. فخلال ندوة نظمتها الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، علقت السيدة سناء بن عاشور، وهي محامية موهوبة وقائدة جمعية نسائية، حول "الاستراتيجيات للدفاع عن المبادئ السارية لحرية تكوين الجمعيات في تونس". ووفقا لما قالته، منذ نهاية عقد التسعينات شهدنا "تطور حركة محددة متمردة بخصوص قانون الجمعيات، وأخذت تنشأ لجان ومجالس في العلن على الرغم من تحريم السلطات لتلك النشاطات، ونشأت فضاءات عامة على الرغم من الخطر بالتعرض للقمع (...). هذه الحركة الديمقراطية المعارضة، والتي لا يجب أن نبالغ بأهميتها، تمثل مع ذلك خرقا للنظام السياسي وتشكل بالفعل شكلا جديدا من اليقظة الاجتماعية، وهذه بدورها مكنت بعض الأشخاص من أن يعلنوا أن الخوف بدأ يتلاشى". إن انتشار ممارسة الإضراب عن الطعام احتجاجا على مصادرة جوازات السفر، وضد التعذيب واحتجاز المعارضين السياسيين، أطلقت الأمل بإحداث ثغرة سياسية وتطوير النظام الاستبدادي الذي يستند إلى السيطرة السياسية والاجتماعية، والقمع من قبل قوات الأمن، وظاهرة "الإخضاع من أجل الطاعة" التي وصفتها الباحثة الفرنسية باتريس هيبو وحللتها في أطروحتها الممتازة في مجال الاقتصاد السياسي حول تونس.



